في ساحات الصراع السياسي، كما في حلبات المصارعة والملاكمة، نادرًا ما تكون الضربة الأولى هي القاضية، فإسقاط الخصم يحتاج غالبًا إلى أكثر من جولة، وأكثر من ضربة، تتراكم آثارها حتى تضعف توازنه، وتفقده القدرة على المناورة، ثم تفتح الطريق أمام الضربة الحاسمة. هذا المنطق يكاد ينطبق بدقة على المشهد الإيراني الراهن، حيث تبدو الجولة الحالية من المواجهة بين الشعب الإيراني والنظام الحاكم مختلفة في عمقها واتساعها وخطورتها عن كل ما سبقها.
فما تشهده إيران اليوم ليس انفجارًا عابرًا أو موجة احتجاج مؤقتة، بل حلقة جديدة في سلسلة ممتدة من الاعتراض الشعبي. فمنذ «الحركة الخضراء» عام 2009، مرورًا باحتجاجات الأعوام 2017 و2019 التي تميزت باتساع رقعتها وحدة القمع الذي ووجهت به، وصولًا إلى حركة «المرأة، الحياة، الحرية» في عام 2022، ظل الشارع الإيراني يعبّر عن رفض متجدد لأداء النظام سياسيًا واقتصاديًا واجتماعيًا. صحيح أن تلك الجولات لم تفضِ إلى إسقاط الحكم، لكنها لم تكن فاشلة بالمعنى التاريخي، بل أسهمت مجتمعة في تآكل هيبته، وتقويض شرعيته الرمزية، وإسقاط الهالة الدينية التي طالما احتمى بها.
الجولة الحالية تبدو مختلفة من حيث التركيبة الاجتماعية للقوى المنخرطة فيها، فإلى جانب الشباب والنساء والطبقات المتضررة اقتصاديًا، يبرز عنصر بالغ الدلالة يتمثل في انخراط تجار «البازار»، والبازار في إيران ليس مجرد سوق اقتصادي، بل مؤسسة اجتماعية وسياسية ذات ثقل تاريخي، لعبت دورًا محوريًا في تعبئة الشارع ضد نظام الشاه في سبعينيات القرن الماضي. غيابه عن الاحتجاجات السابقة كان مؤشرًا على تحفظ هذه الشريحة وحذرها، أما حضوره اليوم فيعكس حجم الغضب الذي بلغ حتى الفئات التي اعتادت تاريخيًا التمسك بالاستقرار.
هذا التحول يرتبط مباشرة بتدهور الأوضاع الاقتصادية. فالاقتصاد الإيراني يعيش واحدة من أسوأ مراحله منذ قيام الجمهورية الإسلامية. التضخم المرتفع، وتراجع قيمة العملة، وارتفاع نسب البطالة، واتساع رقعة الفقر، كلها عوامل ضربت الطبقة الوسطى في الصميم. وهذه الطبقة، التي تشكل عادة صمام أمان اجتماعيًا وسياسيًا، حين تبدأ في الانزلاق نحو الهشاشة، تصبح الدولة أمام أزمة بنيوية في شرعيتها واستقرارها.
والمفارقة اللافتة أن النظام، رغم تكرار الاحتجاجات وتنوع أشكالها، لم يستفد بجدية من دروس الماضي. فلم يقدم إصلاحات سياسية حقيقية، ولم يفتح أفقًا اقتصاديًا مقنعًا، بل واصل الاعتماد على الأدوات التقليدية ذاتها: القبضة الأمنية، والخطاب التعبوي، وتصدير الأزمات إلى الخارج. ومع مرور الوقت، تآكلت فاعلية هذه الأدوات، وباتت عاجزة عن احتواء الغضب الشعبي المتراكم.
إلى جانب الأزمة الداخلية، يواجه النظام مأزقًا إقليميًا واضحًا. فمشروعه التوسعي في المنطقة، الذي استثمر فيه موارد هائلة على مدى عقود، لم يعد يحقق العوائد السياسية التي كان يعوّل عليها. بل إن كثيرًا من أوراق النفوذ التي راكمها في ساحات إقليمية متعددة تعرضت للإنهاك أو التراجع أو فقدان الفاعلية. ومع تصاعد الضغوط الدولية وتبدل موازين القوى الإقليمية، تحول هذا المشروع من مصدر قوة إلى عبء استراتيجي يثقل كاهل الداخل الإيراني سياسيًا واقتصاديًا.
ولا يقل خطورة عن ذلك ملف البرنامج النووي. فقد تحول هذا البرنامج، في نظر قطاع واسع من الإيرانيين، من مشروع سيادي يُفترض أن يعزز مكانة الدولة، إلى عبء اقتصادي وسياسي ثقيل. استنزف موارد مالية ضخمة كان المواطن أولى بها، وساهم في تعميق عزلة إيران الدولية، ورفع منسوب التوتر مع محيطها الإقليمي. ومع المواجهات العسكرية الأخيرة، وما رافقها من استهداف مباشر أو غير مباشر لبعض ركائز هذا البرنامج، بدا واضحًا أن كلفته الاستراتيجية باتت تفوق كثيرًا مردوده السياسي.
ثم جاء الانكشاف الأمني ليضيف بعدًا أكثر إحراجًا للمشهد. فالاختراقات التي طالت مؤسسات حساسة، والقدرة على تنفيذ عمليات دقيقة ضد شخصيات علمية وعسكرية بارزة، كشفت هشاشة غير مسبوقة في منظومة الأمن الداخلي. وهذا النوع من الانكشاف لا يضرب فقط صورة الدولة في الخارج، بل يقوض ثقة مواطنيها بقدرتها على حماية نفسها قبل أن تحميهم.
وهكذا يجد النظام الإيراني نفسه اليوم محاصرًا من أكثر من جهة: احتجاج داخلي متصاعد، أزمة اقتصادية خانقة، مأزق إقليمي متراكم، وارتباك أمني مقلق. وهذه العوامل مجتمعة تجعل الجولة الحالية من المواجهة مختلفة في طبيعتها، وأكثر تعقيدًا وخطورة من سابقاتها. فهو لا يواجه غضبًا شعبيًا فقط، بل يواجه في الوقت نفسه تراجعًا في أوراق قوته التقليدية.
ومع ذلك، فإن الحذر يظل واجبًا في قراءة المستقبل. فالنظام ما زال يمتلك أدوات سلطة، وشبكات نفوذ، وقدرة على المناورة. لكن ما يمكن الجزم به هو أن مسار التآكل الذي بدأ منذ سنوات دخل مرحلة أكثر حساسية. فكل جولة جديدة لم تعد مجرد حلقة معزولة، بل أصبحت جزءًا من تراكم تاريخي يقود نحو لحظة تحول كبرى، سواء أتت سريعًا أم احتاجت وقتًا أطول.
من هنا، تبدو إيران اليوم أقرب ما تكون إلى مفترق طرق تاريخي. فإما أن يلتقط النظام رسالة الشارع، ويشرع في مراجعات عميقة وجذرية تعيد بناء العقد الاجتماعي على أسس جديدة، وإما أن يستمر في إدارة الأزمة بالأساليب القديمة، وهو ما يعني عمليًا دفع البلاد نحو مزيد من الاحتقان وعدم الاستقرار. وبين هذين الخيارين، تترنح الدولة على حافة مرحلة مفصلية، ستحدد ملامح مستقبلها لعقود مقبلة.
Articles
النظام الإيراني في أخطر اختبار
الأحد 18 يناير 2026