قراءة في أبرز التعليقات على المقال السابق

وقفة
الاربعاء 3 يونيو 2026

قراءة في أبرز التعليقات على المقال السابق
عبد النبي الشعلة

وردني كم هائل من الاتصالات والمداخلات حول المقال الذي نشرته يوم الأحد الماضي تحت عنوان “المظلومية.. حين تتحول من ذاكرة إلى مشروع سياسي” بعض منها تضمن آراء مختلفة أو معارضة لما ورد في المقال والتي أكن لمرسليها كل الاحترام والتقدير، إلا إن غالبيتها تضمنت الإشادة والثناء، وقد اخترت أن أشارككم قراءة واحدة منها
وردتني من الناشطة الحقوقية آسيا خلف، وهي:
 
قرأت مقال الأستاذ عبدالنبي الشعلة: “المظلومية حين تتحول من ذاكرة إلى مشروع سياسي”.
 
سواء تتفق أو تختلف عزيزي القارئ مع ما طرحه الأستاذ، فإن المقال يقدّم نموذجاً راقياً للنقد الهادئ والمحترم، نقدٌ يناقش الفكرة ذاتها ويشير إلى الممارسات دون تجريح أو ازدراء أو تعميم أو مناكفة، ودون أن يحوّل الاختلاف إلى خصومة أو كراهية. ومثل هذا الطرح يجبر القارئ على احترامه، فلا يجد ما يواجهه به سوى التأييد أو الحجة أو الاختلاف الموضوعي.
 
وهو ما نفتقده في خطابات بعض الزملاء النشطاء على منصات التواصل، حيث يختلط النقد بالتعميم، وتُستبدل الحجة بالاتهام، ويُتلاعَب بالألفاظ، ليُنظَر إلى الطوائف والجماعات ككتلة واحدة تُحمّل أخطاء أفرادها، فتتسع مساحات الاحتقان والانقسام. خطابات يتنفّس قارئها مقدار الغضب والرغبة في المناكفة والكراهية تجاه الطائفة أكثر مما يلمس الحرص عليها وعلى مصلحة الوطن، تكشف رغبة في الإدانة أكثر من رغبة في الإقناع، وفي تسجيل المواقف أكثر من صناعة الوعي والحجة، وفي الانفلات أكثر من النقد الجاذب للقارىء الذي يحمله على المراجعة. 
 
كما نفتقد ذلك مع الأسف لدى بعض من في الخارج الذين يعززون الاحتقان عبر استفزاز مكوّن وطني شريك، أو استدعاء شعارات وخطابات لا تنتج إلا مزيداً من التوتر، أو تصوير إحياء الشعائر بلغة التحدي والاستفزاز، بما يفضي إلى نتائج سلبية على المجتمع، بدلاً من النقد الهادف وحماية النفوس من الشحن العاطفي والكراهية والانزلاق نحو الاستقطاب.
 
ولا تقل خطراً خطابات التخوين، والتحريض، والتشكيك في وطنية الناس، والتلاعب في نوايا طرحهم، والإساءة إلى معتقداتهم الدينية تحت أي مبرر أو شعار.
 
إن المجتمع يحتاج إلى أصوات تملك الاتزان والحجة المقنعة، تنتقد بإنصاف وتختلف باحترام، لا بغضب وانفلات. أصوات تستقي خطابها من المصلحة العامة للوطن، لا من الخصومات وعُقد التجارب الشخصية، ولا من التراكمات النفسية جراء التسقيط المجتمعي، ولا من الرغبة في تصفية الحسابات أو استغلال الاحتقان، وتضع مصلحة الوطن فوق الانفعالات المؤقتة والاستقطابات العابرة.
 
تحية لكل كاتب وناقد حر يلتزم المنطق والاتزان، ويدرك أن أثر الكلمة يُقاس بقدرة الكاتب على إقناع القارئ وترك مساحة له للتفكير والمراجعة. فالنقد الوازن يصنع وعياً، وفارقاً، أما الخطاب الغاضب فلا يصنع سوى ضجيجاً عابراً، يتقمص فيه كاتبه دور الأسد حين تكون الكلفة مجانية واتجاه الريح مواتياً له  عوضاً عن تغليب المصلحة الوطنية العامة.