نستقبل في السادس عشر والسابع عشر من هذا الشهر أيامًا عزيزة على قلب كل بحريني، أيامًا تحمل في طياتها وهج التاريخ وعمق الانتماء، حيث نحتفل بالعيد الوطني المجيد، وذكرى قيام الدولة البحرينية الحديثة في عهد المؤسس أحمد الفاتح، إلى جانب ذكرى جلوس جلالة الملك المعظم، وانضمام البحرين إلى هيئة الأمم المتحدة كدولة كاملة العضوية في العام 1971. إنها مناسبات تتجاوز الاحتفاء الرسمي والبروتوكولي إلى مساحة أعمق من الوعي والوفاء، مساحة يتأمل فيها المواطن تطور مسيرة وطنه، ويستعيد العلاقة الأصيلة التي ربطت هذا الشعب بأرضه وبقيادته وبقيمه الجامعة.
فالاحتفال بالعيد الوطني ليس مجرد تظاهرة فرح، بل هو محطة سنوية للتأمل والمراجعة، نستشعر خلالها مسؤوليتنا الفردية والجماعية في صون الوطن وتعزيز تماسكه. مناسبة نستعيد فيها معنى المواطنة الصادقة، وقيم الغيرة الإيجابية على المصلحة العامة، ونرسّخ خلالها روح المحبة والتعايش التي صنعت من البحرين وطنًا فريدًا بتعدد أطيافه وانسجام مكوناته. إنها فرصة لتأكيد الولاء والانتماء، وتجديد العهد بأن تبقى هذه الأرض عنوانًا للسلام والتواصل، ومثالًا على قدرة مجتمع صغير المساحة، كبير الروح، على بناء نموذج وطني يحتذى به.
ويزداد معنى هذه المناسبة عمقًا هذا العام، حيث تحل احتفالاتنا في ظل مرحلة زاخرة بالإنجازات والمكتسبات؛ فقد شهدت البحرين خلال هذا العام نقلة نوعية في قطاعات متعددة، من تعزيز البنية التحتية والاقتصادية، إلى تطوير البنية السياحية والثقافية، إلى سلسلة من النجاحات التي لمسها المواطن في حياته اليومية. كما تأتي هذه الاحتفالات متناغمة مع موسم من الأنشطة والمهرجانات، مثل “ليالي المحرق”، التي تعكس جمال التراث البحريني، وتبرز ثراء الثقافة المحلية، وتضيف إلى المشهد الوطني بعدًا من البهجة التي يستمتع بها المواطن والمقيم والسائح على حد سواء. إنها احتفالات لا تُظهر فقط صورة البحرين المزدهرة، بل تُبرِز أيضًا الوجه الحضاري لشعبها في الترحيب والانفتاح والتسامح.
ورغم هذه الروح الإيجابية، إلا أن واقعنا الوطني لا يخلو من تحديات، أبرزها ما نشهده هذا العام من محاولة ممنهجة لتعكير صفو المناسبة الوطنية؛ فقد تعرضت البحرين في الأسابيع الماضية لحملة ظالمة جائرة، منسقة وموجهة، انطلقت من منصات إلكترونية مشبوهة، هدفها ليس النقد البنّاء أو الحرص على الإصلاح، بل نشر الإشاعات وترويج الأكاذيب والسعي لزرع الشكوك والضغائن. حملات تفتقر إلى أبجديات المسؤولية الأخلاقية، وتستهدف بث روح الإحباط والتشاؤم، وتعمل على تشويه الإنجازات وتضخيم الأخطاء، وعلى شق الصف الوطني عبر الطعن في مؤسسات الدولة والإساءة إلى روح الأسرة البحرينية الواحدة.
وتتميز هذه الحملات هذا العام باستخدام أدوات تقنية متقدمة، أبرزها توظيف الذكاء الاصطناعي لتصميم محتوى مُضلِّل، يعتمد على صور كرتونية تمثل شخصيات معروفة أو مختلقة، تُستَنطَق بعبارات ساخرة ومسيئة، تبالغ في تصوير القصور، وتتعمّد النفخ في نيران التذمر. محتوى يبدو في ظاهره طريفًا أو ساخرًا، لكنه في باطنه يحمل خطاب تحريض ممنهج، يستهدف المشاعر قبل العقول، ويُغذّي النزعات السلبية، بل يُحاول – وهو الأخطر – استهداف مكوّن أصيل من مكونات المجتمع بحقن وجدان أفراده بمشاعر المظلومية والاضطهاد، في محاولة لخلق حالة من التوتر الداخلي والقلق المجتمعي.
إن مثل هذه الحملات ليست جديدة على منطقتنا، لكنها اليوم أشد خطرًا؛ لأنها تتقن استخدام أدوات العصر، وتتخفى خلف واجهات رقمية يصعب تتبعها، مستفيدة من سرعة انتشار المحتوى الإلكتروني وقدرته على التأثير بأقل جهد وأقصر وقت. ومن هنا، فإن المواجهة لا تكون فقط أمنية أو قانونية، بل هي أيضًا مواجهة ثقافية، معرفية، وأخلاقية. مواجهة تتطلب وعيًا واسعًا، وحسًا وطنيًا مسؤولًا، وقدرة على التمييز بين النقد الهادف الذي يساهم في البناء، وبين الهدم المقصود الذي يرمي إلى زعزعة الثقة وزرع الشقاق.
وعلى المثقفين والمفكرين وحملة الأقلام، من كتاب وصحافيين وباحثين، تقع مسؤولية مضاعفة؛ فالكلمة في هذه اللحظة ليست مجرد رأي، بل هي أمانة وجزء من أمن المجتمع. عليهم أن يساهموا في كشف هذه الحملات وتفكيك خطابها، وأن يقدموا للمجتمع روايات صحيحة تستند إلى الحقائق والمنطق، وتُعلي شأن الحوار الوطني العقلاني. وعلى جميع المواطنين، كبارًا وصغارًا، أن يقفوا صفًا واحدًا أمام هذا النوع من الاستهداف، وأن يدركوا أن قوة البحرين كانت دائمًا في وحدتها، وتماسكها، وصلابة نسيجها الاجتماعي.
إن البحرين، التي تجاوزت في تاريخها أزمات أعقد وأشد، قادرة اليوم على التعامل مع هذه الموجات من التشويه بثقة واقتدار، شرط أن نتمسك بالمحبة، وبقيم التسامح، وبرؤية قيادتنا الرشيدة التي قادت البلاد نحو الاستقرار والنمو. نعم، نختلف ونتحاور ونعالج القصور إن وجد، لكننا نفعل ذلك تحت سقف الوطن، وبروح المسؤولية، بعيدًا عن أدوات الهدم والتمزيق التي لا تريد خيرًا بالبحرين ولا بمستقبل أبنائها.
وفي الختام، فإن عيدنا الوطني ليس فقط مناسبة للفرح، بل هو أيضًا دعوة للتجدد ولإعادة تأكيد وحدتنا وموقعنا في هذا الوطن العزيز. دعوة لأن نقف بكل حزم وإخلاص خلف قيادتنا، وأن نُحبط كل محاولات التشويه والتشويش؛ لنحتفل هذا العام وكل عام، وبكل فخر واعتزاز، بعيد البحرين المجيد، بوطن نريد له أن يظل شامخًا، مكتمل الأجنحة، مفعمًا بالسلام والإنجاز والمحبة.
Articles
البحرين وعيدها الوطني.. لحظة تأمل ووحدة في وجه حملات التشويه
الأربعاء 10 ديسمبر 2025