الوطن أولًا.. حين يخطئ بعض أبنائه

الأربعاء 04 مارس 2026
تمرّ البحرين، كما تمرّ المنطقة بأسرها، بمرحلة شديدة الحساسية في ظل الحرب الدائرة بين الولايات المتحدة وإسرائيل من جهة، وإيران من جهة أخرى، وما ترتب عليها من تطورات خطيرة لم تَعُد بعيدة عن ساحاتنا وحدودنا. فقد تعرضت بلادنا، خلال الأيام الماضية، لهجمات صاروخية وطائرات مسيّرة تسببت في أضرار مادية بمرافق مدنية وسكنية، وأربكت حركة الحياة، وأدخلت الرعب والقلق إلى بيوت الآمنين.

في مثل هذه اللحظات، يُفترض أن يتقدّم الشعور الوطني، وأن تتوحّد المواقف حول حماية الوطن وسلامة أهله، بغضّ النظر عن أي انتماءات مذهبية أو سياسية، إلا أن ما شهدناه، مع الأسف، من تصرفات صدرت عن البعض، تمثلت في التهليل والتكبير والتعبير عن الفرح بهذه الضربات، بل والمطالبة بالمزيد منها، يفرض علينا وقفة صادقة ومسؤولة.
دعونا نكون واضحين منذ البداية: نحن لا نتحدث عن طائفة بأكملها، ولا نعمّم الحكم على مكوّن وطني أصيل، بل نشير إلى فئة محدودة من الشباب، ربما يكون غالبيتهم من الغاضبين أو المتذمرين، الذين انساقوا خلف الانفعال أو الخطاب التحريضي، من دون تقدير لعواقب ما يقولون أو يفعلون.
لكن محدودية العدد لا تُلغي خطورة الفعل. فالفرح بضرب الوطن، أيًّا كان مصدر الضربة أو مبررها السياسي، سلوك مرفوض أخلاقيًا ووطنيًا. لا يمكن لأي إنسان صادق مع نفسه أن يبرر الابتهاج بأذى يلحق بأرضه، أو تهديد يطال أمن أهله، أو دمار يصيب ممتلكات مواطنيه.
من حق أي فرد، شيعيًا كان أم سنيًا، أن يعارض الحرب، أو ينتقد سياسات الولايات المتحدة وإسرائيل. هذا حق مشروع، يمارسه اليوم ملايين البشر حول العالم، بمن فيهم أميركيون وإسرائيليون أنفسهم. لكن هذا شيء، والفرح باستهداف البحرين والدعوة إلى استمرار ضربها شيء آخر تمامًا.
الخلط بين الموقف السياسي والواجب الوطني خطأ جسيم. فالوطن وحرمته وسلامته ليست ساحات لتصفية الحسابات، ولا ورقة ضغط في صراعات الآخرين. وحين تُصاب البحرين، فإن الذي يُصاب هو الجميع، بلا استثناء: شيعة وسنة، مؤيدون ومعارضون، متفقون ومختلفون.
ولأن بعض الذين رفعوا مثل هذه الأصوات أعطوا أنفسهم الحق بالتحدث باسم الشيعة، فإن هذه التصرفات الطائشة لا تضرّ فقط بالوطن، بل تسيء أولًا إلى الطائفة الشيعية نفسها. فهي تمنح المتربصين ذريعة جاهزة لاتهام طائفة بأكملها بالخيانة، وتغذّي خطاب الكراهية، وتعمّق الشروخ داخل المجتمع، رغم أن الشيعة في البحرين، مثلهم مثل أشقائهم السنة، وطنيون مخلصون، يرفضون المساس بأمن بلدهم، ولا يقبلون أن يتحدث أحد باسمهم.
أقولها بوضوح ومن دون مواربة: الشيعة في البحرين لا تريد لأحد ولا تحتاج لأحد أن يتحدث باسمها، فالوطن هو المتحدث الوحيد وهو الصوت الوحيد، ولا أحد يملك حق جرّ طائفة كاملة إلى مواقف محرجة أو خطيرة بسبب انفعاله أو جهله أو حساباته الضيقة. الانتماء المذهبي لا يعلو على الانتماء الوطني، ولا يبرر التنازل عن أبسط قواعد الولاء للوطن.
كما أنني، وبالوضوح ذاته، أشجب ما قامت وتقوم به إيران من استهداف للبحرين وغيرها من دول الخليج. وأرى في ذلك سلوكًا لا يمتّ لحسن الجوار ولا للروح الإسلامية ولا لمقتضيات الحكمة السياسية بصلة. بل إن هذا النهج يضر بإيران نفسها، ويبدد أي تعاطف شعبي معها في المنطقة، ويزيد من عزلتها، ويقوّض فرص بناء علاقات طبيعية ومتوازنة معها في المستقبل.
في هذه المرحلة الدقيقة، نحن أحوج ما نكون إلى التهدئة لا الاستفزاز، وإلى الحكمة لا الانفعال، وإلى حماية النسيج الوطني لا تمزيقه. المطلوب من الشباب، وخصوصًا أولئك الغاضبين أو المحبطين، أن يدركوا أن التعبير عن الرأي مسؤولية، وأن الكلمة قد تشعل نارًا لا يمكن السيطرة عليها.
رسالتي إليهم صادقة وواضحة: اختلفوا، انتقدوا، لكن لا تفرحوا بأذى وطنكم، ولا تضعوا طائفتكم في موضع الاتهام، ولا تكونوا أداة في يد صراعات لا ترحم أحدًا.
وحين يتعرض الوطن للخطر، يجب أن يكون هو البوصلة… وكل ما عداه تفاصيل لا قيمة لها بالمقارنة.