الحرب تتسع.. ودول الخليج العربية تتمسك بالحكمة

الحرب تتسع.. ودول الخليج العربية تتمسك بالحكمة
الأحد 08 مارس 2026

منذ اليوم الأول لاندلاع الحرب التي تشنها الولايات المتحدة وإسرائيل ضد إيران، حرصت طهران على تأكيد أن استهدافها في دول الخليج العربية سيقتصر على القواعد والتسهيلات العسكرية الأميركية، غير أن الواقع الميداني، كما يتناقله الإعلام وشهود العيان، يشير إلى أن الضربات الصاروخية وهجمات الطائرات المسيّرة لم تقتصر على تلك المواقع، بل امتدت لتطال مجمعات سكنية ومراكز خدمية وتجارية ومنشآت صناعية ومرافق حيوية للبنية التحتية، بما في ذلك المطارات وغيرها.
هذا النمط من الاستهداف، إذا استمر أو اتسع، ستكون له تداعيات سياسية واجتماعية خطيرة في المنطقة؛ فبدلا من أن يفتح باب التعاطف مع إيران بوصفها طرفًا يتعرض لهجوم خارجي، فإنه يدفع شعوب الدول الخليجية، بمختلف مكوناتها وانتماءاتها، إلى استنكار وشجب هذه التصرفات العدائية، وإلى الاصطفاف خلف قياداتها وحكوماتها في مواجهة هذه التهديدات المباشرة لأمنها واستقرارها.
لقد عبّرت دول الخليج العربية، منذ اللحظة الأولى، عن رفضها لاندلاع هذه الحرب وعن خشيتها من تداعياتها الكارثية على المنطقة بأسرها. وهي مواقف لم تكن نابعة من حسابات سياسية ضيقة، بل من إدراك عميق لحقيقة بسيطة مفادها أن الحروب الكبرى، حين تندلع في منطقة حساسة مثل الخليج، نادرًا ما تبقى محصورة في نطاقها الأولي، بل سرعان ما تتسع دوائرها وتتشابك آثارها الاقتصادية والسياسية والأمنية.
ومع ذلك، فإن هذه الدول – كما يعرف الجميع – لم تكن في موقع يمكّنها من منع اندلاع الحرب؛ فهي ليست طرفًا في قرارها، لكنها تجد نفسها اليوم، بحكم الجغرافيا وتشابك المصالح الدولية في المنطقة، عرضة لتداعياتها المباشرة وغير المباشرة.
ولذلك، فإن استهداف دول الخليج أو أراضيها، بأي شكل من الأشكال، لن يؤدي إلا إلى توسيع نطاق المواجهة وتعقيد المشهد الإقليمي. كما أنه سيؤدي، على المدى القريب والبعيد، إلى تعميق مشاعر الريبة والعداء تجاه إيران لدى شعوب المنطقة؛ الأمر الذي قد يحرق ما تبقى من جسور التعايش الممكنة بينها وبين جيرانها العرب.
ومن المفارقات أن حالة الاستقرار والنمو الاقتصادي التي تشهدها الدول العربية على الضفة الغربية من الخليج العربي لا تشكل تهديدًا لإيران بقدر ما يمكن أن تكون عامل استقرار إيجابي لها أيضًا؛ فازدهار المنطقة وتكامل اقتصاداتها يمثلان فرصة للتعاون الإقليمي، لا سببًا للصراع.
لكن استمرار الحرب، وتصاعد عمليات الاستهداف الإيراني، يهددان بتقويض هذه الحقيقة البدهية، ويدفعان المنطقة كلها نحو مسار أكثر اضطرابًا وخطورة.
إن الإصرار على مواصلة هذه الحرب يمثل، في جوهره، لعبًا بالنار؛ فمثل هذه المواجهات الكبرى نادرًا ما تفضي إلى منتصر حقيقي، بل تترك خلفها خسائر بشرية واقتصادية وسياسية يصعب تعويضها عقودا طويلة.
وإذا أخذنا في الاعتبار الفرضيات التي يجري تداولها في الأوساط السياسية والإعلامية بشأن احتمال إضعاف النظام الإيراني أو حتى سقوطه، فإن الصورة تصبح أكثر تعقيدًا؛ فإيران ليست دولة بسيطة التركيب، بل مجتمع متنوع قوميًّا وثقافيًّا يضم الفرس والأذريين والأكراد والعرب والبلوش واللور والتركمان وغيرهم.
وفي ظل نظام سياسي يقوم على توازنات دقيقة بين مؤسسات متعددة، مثل المؤسسة الدينية والحرس الثوري والجيش النظامي وقوات الباسيج وأجهزة الأمن المختلفة، فإن أي اهتزاز كبير في بنية السلطة قد يفتح الباب أمام صراعات داخلية معقدة، لا أحد يستطيع التنبؤ بمآلاتها.
وإذا ما دخلت إيران في دوامة اضطراب داخلي أو صراع بين مراكز القوة المختلفة، فإن تداعيات ذلك لن تتوقف عند حدودها الجغرافية، بل قد تمتد آثارها إلى المنطقة بأسرها، بما يحمله ذلك من مخاطر على الاستقرار الإقليمي والأمن الدولي.
ولذلك، فإن أحدًا في المنطقة لا يتمنى للشعب الإيراني – وهو شعب جار وتربطه بجيرانه علاقات تاريخية وثقافية طويلة – أن يواجه مثل هذه السيناريوهات القاتمة؛ فهذا الشعب يعاني بالفعل منذ سنوات ضغوطا اقتصادية ومعيشية قاسية نتيجة العقوبات والعزلة الدولية، كما يواجه اليوم أعباء الحرب والدمار الذي خلفته المواجهات العسكرية الأخيرة.
ومن المؤكد أن إيران حققت خلال العقود الماضية تقدمًا ملحوظًا في مجالات عدة، من بينها الصناعات العسكرية، ولاسيما تطوير الصواريخ والطائرات المسيّرة، غير أن الواقع الاستراتيجي يشير في الوقت ذاته إلى وجود اختلال واضح في ميزان القوة بينها وبين الولايات المتحدة، خاصة في ظل التحالف العسكري الوثيق بين واشنطن وتل أبيب.
كما أن تراجع أو إضعاف النفوذ الإيراني في بعض ساحات المنطقة، واستمرار الضغوط الاقتصادية، وتنامي التذمر الاجتماعي داخل البلاد، كلها عوامل تجعل الوضع الداخلي الإيراني أكثر هشاشة مما قد يبدو في الخطاب الرسمي.
وسط هذه الصورة المعقدة، تبقى الآمال معقودة على أن تتغلب لغة العقل على منطق الحرب. ولعل الوساطات الإقليمية والدولية – سواء عبر سلطنة عُمان أو المملكة العربية السعودية أو الجمهورية التركية أو غيرها من الأطراف الموثوقة – تستطيع أن تفتح نافذة للحوار، قبل أن تنزلق المنطقة إلى مواجهة أوسع لا يعرف أحد أين تنتهي.
وفي نهاية المطاف، لا يمكن لأي حرب في هذه المنطقة أن تكون شأنًا محليًا أو معركة بين أطراف محددة فقط؛ فكل شرارة فيها قد تمتد لتشعل الإقليم بأسره. ولذلك فإن الحكمة السياسية، اليوم أكثر من أي وقت مضى، تقتضي البحث عن مخرج سريع لهذه المواجهة قبل أن تتحول إلى صراع طويل يدفع الجميع ثمنه؛ فالسلام، مهما بدا صعب المنال في لحظات التوتر، يظل أقل كلفة بكثير من حرب قد لا يخرج منها أحد منتصرًا.