هي قصة رؤية بعيدة المدى، وبصيرة ثاقبة لمؤسس نهضة البحرين الحديثة المغفور له بإذن الله تعالى صاحب العظمة الأمير الراحل الشيخ عيسى بن سلمان آل خليفة، طيب الله ثراه، الذي وجَّه في أواخر ستينات القرن الماضي بإطلاق برنامج وطني للتنمية الاقتصادية يهدف إلى تنويع مصادر الدخل وخلق فرص عمل جديدة لأبناء الوطن.ومن بين ثمار تلك الرؤية، وضمن ذلك البرنامج الطموح، وُلد مشروع شركة ألمنيوم البحرين (البا)، التي دشّنت إنتاجها في العام 1971 بطاقة بلغت 120 ألف طن سنويا من الألمنيوم النقي، قبل أن تتوسع اليوم لتصل طاقتها الإنتاجية إلى 1.6 مليون طن سنويا، مساهمة بنسبة 12 % من الناتج المحلي الإجمالي للبحرين، وموفرة أكثر من ثلاثة آلاف وظيفة، يشكّل البحرينيون فيها نحو 87 % من إجمالي القوى العاملة، وهي نسبة تسعى الشركة لرفعها إلى 90 % خلال السنوات المقبلة.
هذه القصة البحرينية الملهمة، رواها بتفاصيلها الرئيس التنفيذي لشركة “البا” السيد علي البقالي، خلال مشاركته الأسبوع الماضي في مؤتمر ومعرض “عربال 2025 لصناعة الألمنيوم” الذي استضافته مدينة دبي، بمشاركة أكثر من 500 من كبار المسؤولين والخبراء من مختلف أنحاء العالم.وفي عرضه أمام الحضور، أعلن البقالي بفخر إنجازا عالميا غير مسبوق تمثّل في حصول “البا” على تصنيف خمس نجوم من مجلس السلامة البريطاني، لتصبح أول مصهر للألمنيوم في العالم ينال هذا التصنيف خلال السنوات الخمس الأخيرة.
وقد جاء هذا التتويج بعد عملية تدقيق صارمة جرت في أكتوبر الماضي، ليُتوّج استراتيجية الشركة التي تقوم على ركائز أساسية في مقدمتها: السلامة أولا، ورفاهية العاملين، والالتزام الصارم بالمعايير البيئية، وجودة الإنتاج، وحماية مصالح المساهمين، والمواصلة في مبادرات التطوير والتحديث والتوسع.
وفي هذا الإطار، تعمل “البا” حاليا على إعداد خطة لإنشاء خط إنتاج سابع، أو بديل، يحل محل الخطوط الثلاثة الأولى التي شُيّدت في بدايات الشركة؛ لتُستبدل بتقنيات أكثر تطورا وكفاءة وأقل كلفة، وأكثر توافقا مع معايير البيئة الحديثة.
إن تدشين “البا” لم يكن مجرد مشروع صناعي واعد، بل تحوّل إلى نموذج رائد ألهم دول الخليج في توجهها لتنويع اقتصاداتها وتأسيس صناعات تحويلية متقدمة.
ففي العام 1979 بدأت شركة دبي للألمنيوم (دوبال) إنتاجها بطاقة 50 ألف طن سنويا، قبل أن تتوسع لاحقا لتصبح جزءا من شركة الإمارات العالمية للألمنيوم (EGA)، بطاقة تبلغ 2.5 مليون طن.
وفي العام 2008 دشّنت سلطنة عمان مصهر شركة صحار للألمنيوم، تلتها قطر في العام التالي بافتتاح شركة قطر للألمنيوم، ثم المملكة العربية السعودية في 2012 بإطلاق شركة “معادن” من مجمعها الصناعي في رأس الخير بالمنطقة الشرقية.
وبذلك بلغ الإنتاج الخليجي الإجمالي نحو سبعة ملايين طن سنويا، أي ما يعادل 10 % من إجمالي الإنتاج العالمي من الألمنيوم، وهو رقم يعكس المكانة التي بلغتها هذه الصناعة في اقتصادات المنطقة.
وعندما بدأت صناعة الألمنيوم في الخليج في سبعينات القرن الماضي، كانت تُدار بمعرفة خبراء أجانب. وقد عاصرتُ بنفسي تلك المرحلة، وربطتني علاقة وثيقة بأول رئيس تنفيذي لشركة “البا” السيد إيان ليفنغستون، الذي انتقل لاحقا لإدارة شركة “دوبال”.
أما اليوم، فقد تغيّرت الصورة جذريا؛ إذ تقود هذه الصناعة كفاءات خليجية متميزة، من بينهم السيد علي البقالي في البحرين كما ذكرنا، ونذكر بالقدر نفسه من الفخر والاعتزاز السيد عبدالناصر بن كلبان في الإمارات، والسيد سعيد المسعودي في سلطنة عمان، والسيد خالد محمد لرم في قطر، والسيد علي القحطاني في المملكة العربية السعودية، وجميعهم يشكلون نخبة من القيادات الخليجية التي أثبتت كفاءتها في إدارة واحدة من أهم الصناعات الاستراتيجية في المنطقة. ومعهم المئات من المهندسين والفنيين والإداريين الخليجيين الذين يشكّلون رصيدا بشريا ومعرفيا يفخر به كل بيت خليجي.
وفي بدايات الصناعة، كانت التكنولوجيا والتقنيات التشغيلية مستوردة بالكامل من الولايات المتحدة وأوروبا. أما اليوم فقد أصبح الخليجيون روادا في تطوير التكنولوجيا الصناعية.
فقد حققت شركة الإمارات العالمية للألمنيوم إنجازا نوعيا عندما طوّرت تقنية “DX Ultra” التي ضاعفت كفاءة خلايا الاختزال وخفضت استهلاك الطاقة بنسبة 37.5 % مقارنة بالتقنيات السابقة، لتصبح أول شركة خليجية تصدّر تقنيتها الصناعية إلى الخارج.
وفي خطوة لافتة، استحوذت الشركة ذاتها العام الماضي على 80 % من أسهم شركة “سبيكترو ألويز” الأميركية لإعادة تدوير الألمنيوم في ولاية مينيسوتا، كما تخطط لإنشاء مصنع ضخم في الولايات المتحدة بطاقة 600 ألف طن سنويا من الألمنيوم الأولي، أي ما يعادل ضعف الإنتاج المحلي الأميركي الحالي من هذه المادة الحيوية.ويُعدّ التعاون بين شركات الألمنيوم الخليجية مثالا يُحتذى به في التكامل الصناعي والاقتصادي؛ بفضل الدور المحوري الذي يقوم به مجلس الألمنيوم الخليجي بقيادة أمينه العام السيد محمود الديلمي، الذي يسهم في تعزيز التنسيق والتعاون في مختلف المجالات بين الشركات المنتجة في دول المجلس، إلى جانب تنظيم مؤتمر ومعرض “عربال” السنوي، وتنظيم حفل العشاء الخليجي السنوي الذي يجمع المنتجين والموردين والمستهلكين الدوليين، في إطار من التفاهم والشراكة المهنية المتينة.
إن قصة “البا” ليست مجرد قصة نجاح شركة وطنية، بل قصة تحوّل اقتصادي شامل جعل البحرين أول دولة خليجية تدخل عالم الصناعات الثقيلة الحديثة بثقة واقتدار.
ومن رحم هذه التجربة وُلدت مشاريع مشابهة في دول الجوار الشقيقة، لترسم معا ملامح نهضة خليجية صناعية متكاملة، تُثبت أن الرؤية البعيدة والحكمة القيادية يمكن أن تُحوّل الأفكار إلى مؤسسات، والأحلام إلى واقع، والطموح إلى إنجاز عالميّ مشهود.
Articles
قصة نجاح بحرينية خليجية
الأحد 09 نوفمبر 2025