اقتصاد البحرين.. قوة الإرادة تتجاوز التصنيفات

الثلاثاء 25 نوفمبر 2025

لا يمكن لأي متابع منصف أن يتجاهل حجم الجهود الكبيرة التي تبذلها حكومة مملكة البحرين في السنوات الأخيرة، وهي تسعى جاهدة لتحقيق التوازن بين مدخولات محدودة نسبيًا مقارنة بجيراننا الأشقاء الخليجيين، وبين احتياجات معيشية وتنموية متزايدة، وطموحات وطنية مشروعة لا يمكن التخلي عنها. وفي هذا السياق، يأتي قرار مؤسسة «ستاندرد آند بورز» بخفض التصنيف الائتماني للبحرين إلى درجة (B) مع نظرة مستقبلية مستقرة – كتقييم فني يعتمد على مؤشرات مالية واقتصادية عدة، أبرزها استمرار العجز وارتفاع الدين العام، إلى جانب تراجع أسعار النفط عالميًا.
إن التعامل مع مثل هذا القرار ينبغي أن يكون بقدر كبير من الوعي والاتزان. فلا التهويل يخدم الحقيقة، ولا التجاهل ينسجم مع مبدأ الشفافية، ولا الإيحاء بأن كل شيء على ما يرام يعبّر عن المسؤولية. والحقيقة أن الحديث عن هذه التقارير – مهما كان حساسًا – لا يعني الإضرار بالثقة العامة، بل يعكس إدراكًا أن التصحيح الاقتصادي يبدأ دائمًا من الاعتراف بالتحديات وتسخير جميع الإمكانات لتجاوزها.
وعلى الرغم من خفض التصنيف، ما زالت البحرين تواصل مسيرتها التنموية بثبات. فالقطاعات غير النفطية – مثل السياحة، الصناعة، التجارة، الخدمات المالية واللوجستية – تشهد توسعًا ملموسًا، كما تمكّنت المملكة خلال السنوات الماضية من الحفاظ على استقرارها النقدي والمالي، وتطوير بيئة تشريعية محفزة للاستثمار، والالتزام ببرنامج التوازن المالي بهدف معالجة الخلل بين الإيرادات والمصروفات.
ومن غير العدل ولا الحكمة أن نحمّل الحكومة وحدها مسؤولية كل التحديات المالية. فالقضية ليست مرتبطة بقرار واحد أو ظرف طارئ، بل هي حصيلة سنوات من الضغوط الاقتصادية العالمية، وتقلبات أسعار النفط، وتوسع الدولة في الإنفاق لتلبية احتياجات المجتمع.
وعليه، فإن المرحلة المقبلة تفرض علينا – حكومةً ومجتمعًا وقطاعًا خاصًا – أن ننتقل من موقع «المتلقي» إلى موقع الشريك في الحل. وهذا يتطلب:
• أن يتقدم الخبراء والمختصون باقتراحاتهم إلى الجهات الحكومية، دون تردد ودون انتظار دعوة رسمية.
• أن تقوم جمعيات المجتمع المدني المتخصصة – كجمعية الاقتصاديين والمحاسبين والمدققين – بإعداد دراسات عملية تستند إلى أفضل الممارسات الدولية في تحسين مستويات التصنيف الائتماني.
• أن تعمل هذه الجمعيات على رفع الوعي الاقتصادي لدى الجمهور، وتوضيح أن التصنيف الائتماني ليس حكمًا على مستقبل البلاد، بل مؤشر قابل للتحسين مع الإجراءات الصحيحة.
ويبرز هنا الدور المركزي لغرفة تجارة وصناعة البحرين، بوصفها أعرق مؤسسة أهلية ومظلة رئيسة للقطاع الخاص. ففي الوقت الذي تتحرك فيه الحكومة نحو ترشيد الإنفاق وتنويع الإيرادات، فإن القطاع الخاص لم يشهد خلال السنوات الماضية إطلاق مشاريع إنتاجية كبرى جديدة على غرار المشاريع التي غيّرت وجه الاقتصاد البحريني في السبعينات والثمانينات والتسعينات، مثل «ألمنيوم البحرين» و«شركة الخليج للبتروكيماويات – جيبك» والصناعات التحتية المرتبطة بهما.
ولا يمكن معالجة الفجوة التنموية دون:
1. إطلاق مشاريع صناعية وتحويلية رائدة تعتمد على المنتجات الأولية المحلية وتضيف إليها قيمة اقتصادية أكبر.
2. التعاون مع القطاع المصرفي لتوفير قروض وتمويلات ميسرة للتحفيز الصناعي والاستثماري.
3. تشكيل لجنة مشتركة بين وزارة الصناعة والتجارة والغرفة لإعداد دراسات جادة حول مشاريع صناعية جديدة.
4. تعزيز دور القطاع الخاص كصانع مبادرة، لا مجرد متلقٍ للسياسات الحكومية.
وللإعلام الوطني دور جوهري في مواجهة مثل هذه التقارير الدولية. فالإعلام المهني لا يثير القلق ولا يزرع الإحباط، ولا يتجاهل الحقائق. بل يمارس دوره في التوعية الاقتصادية، ويشرح للناس معنى التصنيف الائتماني وأثره، ويحفز المجتمع على المشاركة في الحلول، لا الاكتفاء بالمراقبة. إن الإعلام الوطني هو صلة الوصل بين المجتمع والحكومة، ودوره في تعزيز الثقة لا يقل أهمية عن دوره في نقل المعلومة.
وفي خضم هذه التحديات، يبقى الدعم المالي والاقتصادي من دول مجلس التعاون الخليجي عنصرًا مهمًا في تحصين الاقتصاد البحريني. فقد أثبتت التجارب أن العمل الخليجي المشترك يشكل شبكة أمان مالية وسياسية واقتصادية، تضمن استقرار المنطقة بأكملها وليس البحرين وحدها.
إن قوة الدول لا تُقاس فقط بما تملك من موارد، بل بما تملكه من إرادة. والبحرين – بتاريخها العريق، وبصلابة شعبها، وبحكمة قيادتها – أثبتت في كل محطة أنها قادرة على تجاوز التحديات مهما اشتدت.
إن خفض التصنيف الائتماني ليس اختبارًا لقدرتنا المالية فحسب، بل هو اختبار لثقتنا بأنفسنا، ولقدرتنا على أن نعمل معًا: حكومةً، ومؤسسات، وخبراء، وقطاعًا خاصًا، ومجتمعًا مدنيًا.
وما دامت روح الوحدة الوطنية قائمة، وما دام كل فرد مستعدًا أن يقدم جهده وفكره وخبرته، فإن البحرين ستظل بلدًا قادرًا على تحويل كل تحدٍّ إلى فرصة، وكل أزمة إلى بداية جديدة.
إن المستقبل لا يُمنح للأمم، بل يُنتزع بالعمل، وبالإيمان، وبالحكمة، وليس ثمة أدنى شك في أن البحرين – بلد العزيمة والوفاء – ستخرج من هذه المرحلة أكثر قوة، وأعمق خبرة، وأوسع أفقًا.