علي المعشني.. بين النقد المسؤول وإغراء الشعارات

حين نشرتُ قبل أيام مقالي عن المفكر الكويتي الدكتور عبدالله النفيسي، تلقيت ردود فعل واسعة من القرّاء والمتابعين، عبّر كثير منهم عن رغبتهم في أن أتناول، بالأسلوب نفسه، شخصيات أخرى من النشطاء والمفكرين الخليجيين والعرب الذين يشتركون معه في بعض السمات، خصوصًا في قدرتهم على التعامل مع الإعلام ومنصات التواصل، وإثارة الجدل بأفكارهم ومواقفهم. وكان أكثر من قارئ قد طلب مني أن أكتب عن الناشط العُماني الخليجي علي بن مسعود المعشني، وهو اسم تكرر حضوره في النقاشات الإعلامية والفكرية والسياسية خلال العقود الماضية، وأثار من حوله موجات من الإعجاب والانتقاد في آن واحد.

وُلد المعشني بالعام 1963 في محافظة ظفار بسلطنة عُمان. وفي مرحلة مُبكرة من حياته، اجتاز تجارب النزوح والصراع،  ففي العام 1968 – حين كان عمره نحو خمس سنوات – غادرت عائلته منطقة ظفار إثر تصاعد المعارك إلى مديرية حوف في المهرة اليمنية، حيث استقرّوا هناك بعض الوقت. ثم انتقل مع العائلة إلى الدوحة، ومنها إلى مصر، حيث درس علم الاجتماع في جامعة بورسعيد، ثم نال درجة الماجستير في العلوم السياسية والعلاقات الدولية؛ وهو بذلك أدنى من الدكتور النفيسي من حيث التحصيل الأكاديمي، وأقل منه مقدرة على استعارة أدوات البحث والتحليل من المدرسة الغربية الحديثة، كما إنه أقل احتكاكًا بالثقافة والمجتمعات ومدارس الفكر الغربية، وعلى الرغم من ذلك فإن رحلته منذ الطفولة بين مناطق وصراعات، ومن خلفيات سياسية وثقافية متنوعة، شكّلت في نفسه مزيجًا من التجربة العينية والوعي السياسي المبكر، بين الوطن والنفي، بين الألم والأمل.

لذلك يصبح من الصعب اختزال المعشني في سطر فكري واحد؛ فمواقفه غالبًا ما تميل إلى النقد الجريء الذي لا يرضى بالسطحية. يُعرَف بانتقاده الواضح لجماعة الإخوان المسلمين، ويرى فيهم كثيرًا من التصرفات التي تعاني التناقض بين الخطاب والواقع. في المقابل، هو من المجلّلين الصريحين لدور إيران وحلفائها في المنطقة، وقد وصف في مداخلات عدة  أن «إيران جند من جنود الله»، وأن وجودها في بعض الدول العربية كان يحظى بشرعية أخلاقية وسياسية وفق رؤيته.   هذه المواقف دفعت به إلى موقع مثير للجدل بين مؤيدين يرونه صوتًا صادقًا في نقد أنظمة الخليج، ومنتقدين يرونه متحيزًا إلى محور معين.

كما يُنتقد المعشني أحيانًا لتصريحاته القوية حول واقع الخليج، مثل قوله إن دول الخليج “مجرد دول سوبر ماركت” من حيث القوة الحقيقية، وأن هذه الدول لا تمتلك اقتصادًا إنتاجيًا حقيقيًا بل تعتمد على استخراج النفط فقط. هذه العبارات التي تخرج على السطح في فضاءات الإعلام تجذب الانتباه، لكنّها أيضًا تفتقر إلى الدقة والموضوعية وتستثير ردودًا قوية.

وهكذا فقد عُرف المعشني بحدة خطابه وجرأة آرائه؛ حيث لا يتردد في توجيه النقد المباشر وبألفاظ قاسية أحيانًا، مستندًا إلى لغة تتسم بالانفعال والمبالغة. هذا الأسلوب جعله حاضرًا في الذاكرة الإعلامية، لكنه في الوقت نفسه عرضه لانتقادات كثيرة تتهمه بالتهويل وتغليب الشعارات على التحليل الموضوعي.

إن خطابات كهذه، على الرغم من إثارتها للانتباه وإثرائها بعض جوانب النقاش العام، إلا أنها تحمل مخاطر كامنة، أبرزها تشويش الرؤية وتوجيه القارئ نحو العاطفة بدلًا من العقل، وإغراء الجمهور بلهيب الشعارات أكثر من إقناعه بجدوى الأفكار. وهنا تكمن الحاجة إلى التوقف عند مثل هذا النموذج بوصفه ظاهرة عامة في فضائنا العربي، لا سيما أن المشهد مليء بأصوات مشابهة ترفع شعارات كبيرة دون أن تضع بدائل عملية قابلة للتنفيذ.

إن الهدف من هذه القراءة ليس الدخول في سجال مع علي المعشني أو الانتقاص من شخصه، وإنما التنبيه إلى ضرورة التعامل النقدي الواعي مع الخطاب الذي يمزج بين الجرأة والتهويل؛ فالمجتمعات لا تُبنى على الانبهار بالأصوات العالية، بل على التحليل الرصين والقدرة على التمييز بين النقد المسؤول الذي يفتح آفاقًا للإصلاح، وبين المبالغة التي قد تفقد الكلمة قيمتها.

لقد بات واضحًا أن جمهورنا بحاجة إلى التحصّن بالوعي والقدرة على النقد والتمحيص؛ حتى لا ينجرّ وراء كل ما يلمع في فضاء الإعلام ومنصات التواصل. والمسؤولية هنا تقع على عاتق المثقفين وصنّاع الرأي في تمكين المجتمع من قراءة الخطاب بعيون ناقدة، تكشف عما فيه من ثغرات أو مبالغات، وتحوله إلى مادة للفهم لا للانقياد.

إن الذين طلبوا مني تناول شخصيات مثل النفيسي والمعشني كان هدفهم التأسيس لوسيلة تعمل على ترسيخ ثقافة الحوار المسؤول والقراءة النقدية الرشيدة؛ فبهذه الروح فقط نستطيع أن نتجاوز الضجيج، ونوجّه الكلمة لتكون أداة وعي وإصلاح، بدلًا من أن تغدو مجرد صدى للشعارات العابرة.

الناشط علي المعشني يعد، بلا أدنى شك، من الأسماء البارزة في الساحة الفكرية والسياسية العُمانية والخليجية، حيث عُرف بكتاباته ومداخلاته الجريئة التي تتسم بالحدة وارتفاع سقف الطرح. وقد أكسبه هذا الأسلوب حضورًا ملحوظًا لدى جمهور واسع من المتابعين، وأثار في الوقت ذاته جدلًا حول طبيعة خطابه وحدود تأثيره.

إن قراءة متأنية في خطاب المعشني تكشف عن ظاهرة مألوفة في مجتمعاتنا العربية؛ فهو يمزج بين النقد المشروع والمبالغة، وبين التحليل السياسي واللغة الانفعالية التي تستميل القارئ بشعارات براقة، لكنها لا تطرح في كثير من الأحيان حلولًا عملية أو بدائل واقعية. وقد يتجاوز طرحه أحيانًا حدود النقد البنّاء إلى درجة التهويل أو الدعوة إلى المواجهة والقطيعة؛ الأمر الذي يستوجب التعامل معه بعين ناقدة فاحصة.

إن خطابات كهذه، وإن كانت تُثري النقاش العام وتكشف عن حجم الإحباط والتحديات في منطقتنا، إلا أن خطورتها تكمن في قدرتها على تشويش الرؤية وإغراء الجماهير بالانفعال على حساب التفكير العقلاني. وفي زمن تموج فيه منطقتنا بالأزمات، يصبح لزامًا علينا التمييز بين النقد المسؤول الذي يفتح آفاقًا للفهم والإصلاح، وبين الخطاب الذي يثير الحماسة دون أن يرسم مسارًا واقعيًا قابلًا للتنفيذ.

مرة أخرى نؤكد أن الهدف من تناول شخصية علي المعشني هو توعية المجتمع بضرورة التحصّن ضد الانقياد وراء الأصوات العالية أو الخطابات المثيرة للجدل؛ فالوعي لا يُبنى على الانبهار، وإنما على التحليل المتزن والقدرة على تفكيك الخطاب وكشف ما فيه من مبالغة أو تهويل.

إن جمهور هذا المقال – من مثقفين وقراء وفاعلين في المجال العام – مدعوون إلى أن يكونوا شركاء في هذه المسؤولية الفكرية؛ فالمطلوب ليس فقط متابعة ما يُطرح من آراء، بل أيضًا إخضاعها لمعايير النقد والتمحيص، والتمييز بين ما يُثري النقاش ويفتح آفاقًا للتفكير، وما يُضاعف الضجيج ويزيد مساحة التشويش.

بهذا المعنى، فإن التوقف عند خطاب المعشني وغيره من الخطابات المشابهة، يندرج في إطار إرساء ثقافة الحوار الرشيد، المبني على الوعي النقدي والسعي نحو الإصلاح الواقعي، بعيدًا عن المبالغات التي قد تُفقد الكلمة قيمتها، وتحوّلها إلى مجرد صدى عابر في فضاء مكتظ بالأصوات.